سيد قطب

2074

في ظلال القرآن

اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ ، وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ، وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ . وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ، وَأَقامُوا الصَّلاةَ ، وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً ، وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ، أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ . . . » . . * « وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ! قُلْ : إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ، أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ . الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ » . . * « وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً ، وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ . يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ . وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ، وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ ، وَزَرْعٌ ، وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ » . . وهكذا يتقرر أن الذين لا يستجيبون لهذا الحق هم - بشهادة اللّه سبحانه - عمي . وأنهم لا يتفكرون ولا يعقلون . وأن الذين يستجيبون له هم أولو الألباب ، وهؤلاء تطمئن قلوبهم بذكر اللّه ، وتتصل بما هي عارفة له ومصطلحة عليه بفطرتها العميقة ، فتسكن وتستريح . وإن الإنسان ليجد مصداق قول اللّه هذا في كل من يلقاه من الناس معرضا عن هذا الحق الذي تضمنه دين اللّه ، والذي جاء به في صورته الكاملة محمد رسول اللّه . . فإن هي إلا جبلات مئوفة مطموسة . وإن هي إلا كينونات معطلة في أهم جوانبها بحيث لا تتلقى إيقاعات هذا الوجود كله من حولها ، وهو يسبح بحمد ربه ؛ وينطق بوحدانيته وقدرته وتدبيره وتقديره . وإذا كان الذين لا يؤمنون بهذا الحق عميا - بشهادة اللّه سبحانه - فإنه لا ينبغي لمسلم يزعم أنه يؤمن برسول اللّه ، ويؤمن بأن هذا القرآن وحي من عند اللّه . . لا ينبغي لمسلم يزعم هذا الزعم أن يتلقى في شأن من شؤون الحياة عن أعمى ! وبخاصة إذا كان هذا الشأن متعلقا بالنظام الذي يحكم حياة الإنسان ؛ أو بالقيم والموازين التي تقوم عليها حياته ؛ أو بالعادات والسلوك والتقاليد والآداب التي تسود مجتمعه . . وهذا هو موقفنا من نتاج الفكر - غير الإسلامي - بجملته - فيما عدا العلوم المادية البحتة وتطبيقاتها العملية مما قصده رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بقوله : « أنتم أعلم بشؤون دنياكم » . فإنه ما ينبغي قط لمسلم يعرف هدى اللّه ويعرف هذا الحق الذي جاء به رسول اللّه ، أن يقعد مقعد التلميذ الذي يتلقى من أي إنسان لم يستجب لهذا الهدى ولم يعلم أنه الحق . . فهو أعمى بشهادة اللّه سبحانه . . ولن يرد شهادة اللّه مسلم . . ثم يزعم بعد ذلك أنه مسلم ! ! ! إنه لا بد لنا أن نأخذ هذا الدين مأخذ الجد ؛ وأن نأخذ تقريراته هذه مأخذ الجزم . . وكل تميع في مثل هذه القضية هو تميع في العقيدة ذاتها ؛ إن لم يكن هو رد شهادة اللّه - سبحانه - وهو الكفر البواح في هذه الصورة ! وأعجب العجب أن ناسا من الناس اليوم يزعمون أنهم مسلمون ؛ ثم يأخذون في منهج الحياة البشرية عن فلان وفلان من الذين يقول عنهم اللّه سبحانه : إنهم عمي . ثم يظلون يزعمون بعد ذلك أنهم مسلمون ! إن هذا الدين جد لا يحتمل الهزل ، وجزم لا يحتمل التميع ، وحق في كل نص فيه وفي كل كلمة . .